رحل الفنان سعيد مخلوف عام 2000 بعد ان قدم لفن النحت في سوريا الكثير فكان بحق (شيخ النحاتين السوريين ) .
ولد سعيد مخلوف عام 1925 في قرية بستان الباشا الساحلية القريبة من مدينة جبلة ..و من هناك بدأ رحلة طويلة و غنية من العطاء المتواصل.
استخدم هذا الفنان الكبير العديد من التقنيات و الخامات و فتح ابواباً جديدة, جريئة للتجربة و الاستكشاف في فن النحت. استخدم الحجر و الرخام و الزجاج و جذوع شجر الزيتون الذي اعتقد انه كان احب الخامات الى قلبه لانه كان يحمل معه هوية الارض التي كان سعيد مخلوف يعتز بها .
زرته مرتين في منحته او لنقل مختبره الذي كان يقع آنذاك في ظهر معرض دمشق الدولي, اذ كان لدي صديق فنان يعرفه و يتعلم على يديه.. .فكنت ارى جذوع الزيتون نصف منحوتة هنا و قطع احجار هناك و زجاج ملون و نحاس و فرن تنبعث منه روائح غريبة و اشياء مدلاة من السقف بعضها تعرف انها ثمار مجففة لشجرة ساحلية و بعضها الاخر لا تعرف ان كانت نبات ام حيوان ... فكان مختبره هذا اشبه بمعمل كيميائي من العصور الوسطى يجمع كل الخامات باحثاً عن الحجر السحري الذي يحول كل شيء الى ذهب .., لم يكن مخلوف يحتاج الى ذلك الحجر السحري اذ ان كل ما كان يقع بين يديه كان يتحول الى جمال اغلى من الذهب او خريطة كنز روحية تأخذك الى عالم مختلف.
كان صديقنا المشترك قومياً سورياً..و لست ادري ان كان لمخلوف اي انتماء سياسي آنذاك و لكنني متأكد من شيء واحد الا وهو ان حبه لسوريا كان توأماً لحبه لفنه ....كان مخلوف سورياً بكل جوانحه !
عرفت فنه لفترة قصيرة و رايت فيه فناناً مبدعاً و جريء ..و سأنقل لكم مقالات عن اللذين عرفوا الفنان و فنه بشكل اكبر :
مقتطف من مقالة بقلم الاستاذ ايهم صخر (في موقع اللاذقية بتاريخ 27 ايار 2009 ) مع بداية العام 1962 أنجز أول منحوتة له من الخشب وكانت هذه الفترة بالنسبة لسعيد مخلوف ضائعة بين الرغبة بالتسلية والرغبة بالتعبير عن بعض هواجسه الخاصة، إذ كان يشعر وهو يمارس فن النحت أنه في معركة مع أقوياء معركة لا يملك فيها سوى اجتراح فعل الإبداع سلاحا" يحاربهم به. أواخر خمسينيات القرن الماضي ومطلع ستينياته، انتقل سعيد للإقامة في بيروت عمل خلالها بالتمثيل واشتغل بالماكياج والتصوير.في العام 1962عاد من لبنان إلى بلدته (بستان الباشا) حيث ابتدأت انطلاقته الكبرى مع النحت خلال هذه الفترة عكف سعيد مخلوف على تنفيذ العديد من الأعمال النحتية الحجرية والرخامية والخشبية.عقب إنجازها حملها جميعها إلى دمشق وشارك بها في معرض الدولة الرئيسي الذي كان يحمل آنذاك اسم (معرض الخريف).
قبلها كان يخشى العرض بالرغم من تشجيع من حوله على تقديم أعماله للناس. عام 1964 أقام أول معرض فردي له في بيت السيدة (مورلي) وفي العام نفسه أقام معرضه الفردي الثاني في صالة المركز الثقافي العربي بدمشق ومنذ العام 1966 انقطع عن العرض كليا في المعارض الرسمية أما انطلاقته الكبرى فكانت من خلال معرضه بصالة(اسباس) بدمشق الذي عرّف الناس عليه عن قرب وبشكل جيد وصحيح غير أن تجربة سعيد مخلوف الأبرز والأهم كانت في المرحلة التي بدأ فيها يعالج جذوع الشجر(خاصة جذوع الزيتون الوسيمة المباركة)، وهذه التجربة تحولت فيما بعد إلى مدرسة نحتية قائمة بذاتها في الحياة التشكيلية السورية المعاصرة،مدرسة تربى فيها العديد من النحاتين السوريين الشباب،وهم يملؤون اليوم شرايين هذه الحياة بصخبهم المحبب، وجميعهم تحدروا من مدرسته التي جمعت بين الحس البدائي العفوي والخبرة المكتسبة بالممارسة الدؤوب.عمر طويل أمضاه سعيد مخلوف في ممارسة النحت الذي تعلمه بنفسه، عالج جذوع الأشجار الصلبة بتلقائية ووعي في آن معا ما جعل هذه الجذوع تستكين إلى يديه، وتتلوى تحت ضربات مطرقته وازميله كما تتلوى الفرس الحرون أمام سائسها القوي الماهر المدرب المتمكن من أسرارها. عبر جذوع أشجار الزيتون المبارك جاء صوت هذا النحات قويا واضحا، فاعلا، جميلا، كاتبا بذلك السطور الأوضح في سفر النحت السوري الحديث.
ومن أشهر أعمال النحات سعيد مخلوف "الأسد المجنح" في مطار دمشق الدولي وكان قد نال وسام الأستحقاق السوري بمرسوم جمهوري من القائد الخالد وتوفي عام 2000 تاركا إرثا فنيا لايقدر بثمن ولقبا أشتهر فيه طيلة حياته لقبه فيه النحاتين السوريين (شيخ النحاتين). 
و هذه مقالة اخرى قصيرة عن الفنان سعيد مخلوف نشرت بعد رحيله بقليل في مجلة الشرق الاوسط بقلم فيصل خرتش :
رحيل سعيد مخلوف شيخ النحاتين السوريين
دمشق: فيصل خرتش
فقدت الحركة التشكيلية السورية الفنان سعيد مخلوف عن عمر يناهز الخامسة والسبعين، بعد ان اغنى الفن التشكيلي السوري بأعمال نحتية كرسته واحدا من اهم النحاتين العرب.
ولد سعيد ابراهيم مخلوف في قرية «بستان الباشا»،، التابعة لمحافظة اللاذقية عام 1925، بدأ النحت متأخرا، ولم يتخرج في اكاديمية، وكانت الحياة والتجربة والتاريخ مدرسته التي اكتسب خبراته منها وتعلم فيها الحفر على الصخر والخشب، وصار اسمه مرافقا للنحت السوري، وامتد اسمه على رقعة واسعة من ارض سورية، من التمثال المجنح الذي يلاقي القادمين الى دمشق من مطارها، الى المنحوتات العديدة المتوزعة في ارجاء معرضها الدولي وبحيراته وحدائقه، الى قاعات المتاحف في دمشق وحلب وغيرها من المدن السورية والعواصم العربية والاجنبية، حيث انتقلت منحوتاته برفقة المتذوقين للفن الاصيل.
اولى اعمال الفنان سعيد مخلوف، كان في عام 1941، عندما كان طالبا في مدرسة «اللاييك» بطرطوس، حيث نقش على الحجر «جاندارك تتحدث الى ملاك» بحسب ما تخيل. ومن ابرز منحوتاته «الحريم والتكاثر والعائلة في العام الثالث ـ تمثال امرأة من الحجر». وقد كانت مادته من خشب الزيتون والحجر والنحاس والعظام، يبلور فيها المادة الجامدة ويجعل الحياة تضج بالحركة، عندما تتحول الى قطع مقتطعة من الطبيعة، تترجم عشقه العميق لها، طيور ونباتات وحيوانات تجاوز المنحوتات الخشبية والحجرية والمصنوعات الخزفية الرقيقة ومشغولات الخرز والزجاج الملون، والاقنعة التي برع بها وتميز، وهي تمثل أعلاما من الحضارات القديمة، يأخذها من متاحف التاريخ التي كان يتردد عليها باستمرار، كما كانت الحضارة السورية مصدر إلهامه في تطويع خشب الزيتون الى مجسمات ناطقة.
اقام سعيد مخلوف اول معرض للنحت في سورية، عام 1964 في منزل موره لي، وربما سبقه في العام ذاته معرض له في المركز الثقافي العربي بدمشق، كما شارك في معارض الخريف التي كانت تقيمها وزارة الثقافة، واقام العديد من المعارض الفردية الكثيرة، وشارك بعدة معارض في فرنسا وبريطانيا والمانيا.
تمرد سعيد مخلوف على الدراسات الاكاديمية، وكان يرى ان النحت عالم خاص متميز، ويعتبر نفسه صاحب مدرسة خاصة.
كرم الفنان مخلوف مرات عديدة، وصارع المرض فترة طويلة، وقاومه بالمثابرة على النحت. كان معروفا بحبه للحضارة السورية، ولم يكن يحب الاضواء، عاش ببساطة وأنفة كل حياته، وقد اقام فترة طويلة في دمشق، الى ان وافته المنية فيها.و اترك الباب مفتوحاً لمن عرفوا هذا الفنان الكبير ليمدونا بتفاصيل اكثر تجعلنا نتعمق في فهم هذا الفنان و اعماله .