
هذه القصه واقعية كتبت بقلم الدكتور :محمد المناعي …. اترككم مع قلم الدكتور …
!!!إنها حالة مثيرة جدا
البحرين في 15 أكتوبر 1993
لقد كانت "متلازمة داون" أو كما يطلق عليها قديما "المنغولية" بالنسبة لي كطبيب أطفال حالة مثيرة أو كما يقال Interesting case عندما أراها. في عيادتي أو أثناء مروري على المرضى في جناح الأطفال ويكون معنا طلبة الطب أو الممرضات، وآخذ بشرح تفاصيل وخواص هذه الحالة المثيرة . فكم من مرة حملت طفلاً حديث الولادة بيدٍ واحدةٍ ممسكاً ببطنه لأشرح للأطباء وطلبة الطب كيف يكون هذا الطفل ليناً، قليل الحركة، لا يقدر على رفع رأسه أو نصفه الأسفل، فتراه يشبه القوس وهو محمولاً من جهة بطنه وهذا دليلاً على ليونة عضلاته. وكم من مرة طلبت من الطلبة أن يستمعوا إلى دقات قلب ذلك الطفل ليتعرفوا على نفخة إنقباضية أو نفخة إنبساطية أو نفخة متصلة ، فتراهم يتناوبوا الاستماع الواحد تلو الأخر ومنهم من يتودد إلى أم الطفل للفوز بالاستماع دون مزاحمة الآخرين. كم من مرة قلتها وبصوت مسموع أمام الجميع بما فيهم والدي ذلك الطفل: إنها حالة مثيرة جداً.
كما أنني لا أتذكر عدد المرات التي أخذت فيها أخفف عن إحدى الأمهات أو أحد الأباء صدمة إنجابهم طفلاً لديه متلازمة داون. فمن تجاربي إتضح لي أن مثل هذه الأنباء صدمة عنيفة أرى تأثيرها على وجوه الأباء والأمهات .. أرى علامة استفهام كبيرة مرسومة على وجوههم؛ وحال لسانهم يقول: لماذا نرزق بهذا الطفل؟ ومما يثير عجبي أكثر أنني عندما أراهم بعد عدة زيارات أجد أنه حدث تغيراً كبيراً في حياتهم وعلاقتهم بهذا المولود الجديد.. أرى البسمة أرى السعادة، أرى الرضا وقد إرتسم على تلك الوجوه التي رأيتها منذ عدة أسابيع. موقف لم يكن مفهوما لي أبداً ودرساً لم استوعبه إلا منذ فترة وجيزة وبالتحديدفي يوم 16 يونيه 1993 الساعة الواحدة ظهراً .
في تلك اللحظة كنت في الغرفة المجاورة لغرفة العمليات أستعد لاستقبال طفلاً سيتم ولادته خلال عملية قيصرية وأنا أحضر الأدوات التى سأحتاجها لهذا الطفل. كانت غرفة العمليات بها حركة غير عادية كنت أعلم بان الولادة متعسرة والعملية بسبب وضع الجنين الغير ملائم ولكن الحركة غير الطبيعية داخل غرفة العمليات جعلتني أختلس النظر لأرى ماذا يجري؟ كان طبيب التخدير يحاول إدخال أنبوبة الرُغامي دون جدوى، وهذه الأنبوبة عادة ما تكون من البلاستيك تدخل في القصبة الهوائية ليتمكن طبيب التخدير من تزويد المريض بالأكسجين. الأم الآن تحت تأثير التخدير ولكن لا أكسجين يصل إلى رئتها، وهذا يعني أن الجنين أيضا لا يصل إليه الأكسجين أحسست بأن تياراً كهربياً عالي الجهد يسري في جسدي. الطبيب الجراح كان جاهزاً لفتح بطن الأم واستخراج .. الجنين، ولكن لم يتم إعطائه الضوء الأخضر كي يبدأ العملية ..
كان يقف على بعد خطوات من طاولة العمليات واضعاً يداً على يد كي لا يفسد التعقيم، وهو ينظر مذهولا لما يحدث أمامه أما طبيب التخدير، فقد كان مرتبكاً وكان ارتباكه يزداد بعد كل محاولة فاشله المريضة لازالت تحت التخدير والأكسجين لا يصلها إلا بواسطة الكمامة بين الفترة والأخرى الجنين سوف يتعرض لأخطار كلما تأخر خروجه. وتم الإتفاق على أن يبدأ الجراح باستخراج الجنين وأكملت العملية بدون إدخال أنبوبة الرُغامي.
[/color]