المحامي وسيم النابلسي
" نحن فينيقيون " , ازدهرت هذه العبارة في الآونة الأخيرة بشكل كبير . ويشكل هذا الازدهار آخر المنجزات العظيمة لثورة الأرز - القرنبيط في لبنان . وعلى بداهة هذه العبارة بالنسبة لمتبنيها والمنادين بها , فهي تعكس سذاجة لدى هؤلاء في تبني أفكار سامة وملوثة دون إجهاد النفس في طرح أي تساؤل . فأن تنسب نفسك إلى جماعة ما ( فينيقية أو غيرها ) إنما يعني أنك تحاول الإجابة على سؤال الهوية . والهوية بحد ذاتها ليست غاية نهائية بل هي خطوة في سبيل المواطنة . من هنا فالاكتفاء بالتصريح " نحن فينيقيون " لا يمكن أن يضعك في مصاف أصحاب المواقف والرأي ما لم تكمل طريقك نحو الهوية ومن ثم المواطنة الفينيقيتين . وهنا يصبح التساؤل مشروعاً :
ماذا يعني أن تكون فينيقاً ؟؟ هل هناك ثقافة فينيقية ؟؟ هل يحوي مصطلح الفينيقية في ثناياه أي عنصر من عناصر الهوية ؟؟ من ملامح الهوية ؟؟ لغة فينيقية ؟؟ عادات اجتماعية فينيقية ؟؟ أنماط اقتصادية فينيقية ؟؟ هل التمسك بهوية فينيقية متخيلة سيلغي الفروقات الطائفية ؟؟ هل سيجعل هذا من اللبناني مواطناً ولو فينيقياً ؟؟ دعك من أننا اكتشفنا الأرجوان ومخرنا عباب المتوسط ... ماذا بعد ؟؟ وبالأخص , دعك من خرافة اختراع الأبجدية , فقد كانت مجمل شعوب المنطقة تمتلك أبجديتها الخاصة بها , منهم من سبق الفينيقيين ومنهم من تخلف عنهم . ولم يعد هناك من يؤمن بهذه الخرافة سوى سعيد عقل وسمير جعجع . " نحن فينيقيون " , عبارة تستعمل ليس للإجابة عن سؤال الهوية بل من أجل نفي الهوية . فالمهم هو أننا لسنا عرباً . هذا هو المغزى الحقيقي للعبارة ولا يهم بعدها ما يعنيه أن نكون فينيقيين , وكيف ولماذا نحن فينيقيون وما الذي قد يترتب على كوننا كذلك ... آخر هم . المهم اننا لسنا عرباً . وعلى رغم تهافت هذه الفكرة الأخيرة فهي قد تكون قابلة للنقاش أما " نحن فينيقيون" ؟؟؟ فبماذا يمكنك أن تناقش ؟؟
للأسف , يجهل البعض ويتجاهل البعض الآخر أن الفينيقية بالأساس هي تقسيم مناطقي لا علاقة له بالهوية لا من قريب ولا من بعيد . فالفينيقون هم في الأصل كنعانيون ( وللسخرية فالكنعانيون عرب !!! ). وكان كنعانيو الساحل السوري ( الذي يشمل تاريخياً الساحل السوري واللبناني حالياً ) يدعون فينيقيين . وأبجديتهم كانت اشتقاقاً من أبجديات كنعانية سابقة .
ومنذ الاستقلال اللبناني في العام 1943 كانت الفكرة الفينيقية تزدهر بالتزامن مع ازدهار الطروحات الكيانية المسيحية . فكلما شعر المسيحيون بالقلق من صيغة 1943 , كانوا ينغلقون على أنفسهم ويبدأون بمناقشة الكيان المسيحي المستقل . فتأتي الفينيقية لتشكل غطاءاً فلسفياً وميتولوجياً لهذا الطرح في مواجهة الطرح العربي للمسلمين اللبنانيين . وبالفعل فمع إصرار زعامة مسيحية كسليمان فرنجية على مشرقية وعروبة المسيحيين اللبنانيين , وإصرار التيار الوطني الحر على وحدة لبنان ووحدة ابنائه ووجوب قيام علاقات صحية ومتوازنة مع سوريا وسائر الدول العربية , نجد أن الفينيقية لم تعد مزدهرة سوى لدى قوات سمير جعجع وبعض رعاع تيار المستقبل . فأما فينيقيو القوات , فهم من الذين يدركون أبعاد الفينيقية في نفي العروبة وتأمين الغطاء الميثولوجي لطروحات الفدرالية والكيانية المسيحية التي ما زالوا ينادون بها سراً وعلانية . أما فينيقيو المستقبل فهم في الحقيقة مثيرون للشفقة . إذ لا ناقة لهم ولا جمل في هكذا طرح . وهم لا يفهمون أبعاده ولا مضامينه . وإنما يتبنونه كضرب من ضروب الموضة أو في محاولة لتسجيل موقف عساهم يحسبون على أصحاب المواقف الكبيرة والرأي الهمام . إيه , اللهم بدّل هذا الزمان بأحسن منه .
الوطن